الثلاثاء، 7 أبريل 2020

كأسٌ بِمشروبَين (قصة قصيرة)

Anastasia Kopittseva - Duality

بقلم : مهدي الحبشي


لا تهم عواقب تجربة الحب، عادة ما ينتهي بمأساة. الأهم هو كيف تُعاش وخصوصاً "كيف تبدأ". لدفءِ البدايات وعُمق التجربة لذة تغني عن المبالاة بالنهايات مهما كانت صادمة ووحشية. يعيش الناس تجربة الحب بالكثير من النشوة والسعادة.. تلك النشوة التي تجتاحنا لحظة تقبيل الحبيب، أو حين يربت على كتفنا قائلاً: "لا تقلق.. أنا بجانبك" وقد غزتنا الهموم. عندَ تلقي هدية منه، أو ساعة نشاركه الأجزاء الأكثر حميمية من أجسادنا. لأجل هكذا لحظات يغطس الناس في بحر الحب دونَ تفكير. أما أنا، فغطستُ فيه تعيساً، وغصتُ في أعماقه ببؤس، وها أنا أستعد لإنهائه بمأساة، بسبب هذه الخطوة الطائشة التي أقدمتُ عليها للتو...

تحاولون توقع أسباب تعاستي العاطفية ؟ أبَشركم؛ لا شيء مما قد تتخيلونه صائب، فحبيبتي، "هناء"، فاتنة الجمال، سمراء كخبز أمي الذي شدَّ عودي، رشيقة الروح كأنها نسمة صباحٍ من أبريل. ولها جسدٌ شهي كوجبة إفطارٍ رمضانية قبل آذان المغرب بقليل... هزمت هناء والدتي في تدليلي، وسرقت منها السبق إلى الاهتمام بأمري. هي ابنة رجل تعليم، وتدركون معنى ذلك؛ لقد نشأت في أسرة متوسطة طبقياً، مُتعلِّمة، محافظة وموقَّرة.. كذلك هي معظم الأسر التي يشيدها رجال التعليم. تنسحب هذه التفاصيل على سلوكها بالفعل، فهي أقل جهلاً من النظر إليَّ كأني مصباح علاء الدين، الذي يفترض به نقلها من ظلمات الفاقة إلى نور الرفاه، و"يشتريها" من والدها بمهرٍ ثمين، لتشعر بأنها ذات قيمة. لهناء وظيفة مستقرة ودخلٌ يوازي دخلي، وذلك يمنحها نسبة من الاستقلالية تروق لأي رجل؛ أن تكون امرأته مستقلة بما يكفي لئلا تشكل عليه عبءً ثقيلاً، وفي الوقت نفسه "غير مستقلة" بما فيه الكفاية لكي لا تستغني عنه. توازن الرعب الذي تأتَّى لي بالفعل في هناء، فعلى الرغم من تقارب مستويينا الاجتماعيين، فإن ذلك لا يمنعها من تبجيلي بل تقديسي، لمجرد أني الذَّكرُ في قصتنا. أنا أدرك يقيناً أنها تتحرق شوقاً ليوم أتقدم لخطبتها رسمياً، لكن باستثناء بعض التلميحات العابرة، فهي تتحاشى الضغط عليَّ في هذا.. تراعي مشاعري باعتبارها عارفة بشخصي الطائش، الذي لم يفته عنفوان الشباب بعد بما يكفي لتأسيس أسرة وتحمُّل مسؤوليتها. كما أنها تأخذ بعين الاعتبار طبقتي الاجتماعية التي تتطلب مني مجهوداً إضافياً لاقتناء بيتٍ محترم وتأهيل راتبي لاستيعاب نفقات أسرة.
المعذرة، أعي أن فضولكم يتغوَّلُ ويزدادُ جموحاً بعدَ كل حرف تقرؤونه، حول سر تعاستي رغم كوني مرتبطاً بقطرة عسل فوق قشدة ؟ بعضكم يضرب كفاً بكف، يحوقل أو يسبني لأنه أمضى عمره يمني النفس بشابة بكل هذه المواصفات دون أن يدركها... كنتُ أود الخوض قليلاً في تفاصيل لقائي بها وتعرفي عليها، ولكن لأن الأمر محدود الأهمية فسأرحم فضولكم، وأبسط لكم مأساتي مباشرة:
حدثُّكم عن "هناء"، والآن، دورُ "وِصال". وصال كعبة قلبي وحَرَمُه الشريف، التي يتوق للحج إليها دون أن يستطيع إلى ذلك سبيلاً. وصال قِبلة روحي، التي ترفض صلواتي كأنها صنمٌ لا يضر ولا ينفع. أو من يدري ؟ لعلَّها مثل "يهوه" ربِّ اليهود؛ له شعبٌ مختار لا ينصت لغيره ولا يرضى عن سواه، ولا ينثر رحمته إلا عليه. يتجاهل كلَّ من عداه مهما بلغ من قوة إيمان. فهي خطيبة أحدهم منذ عرفتها، وعلاقتهما جد متطورة لم تترك لي أيَّ هامشٍ للمناورة... سأمتنعُ عن وصفها، فالإلهُ كما تعرفون، يُحرَّمُ وصفه أو رسمهُ أو نحته.. وقد عرفتها، بل "اعتنقتها" قبل "هناء"، اعتنقتها منذ عامين في عملٍ جمعنا، اعتنقتها دون أن يبشرني بها نبي ولا رسول.
منذ عامين ووصال خطيبة شيطانٍ رجيم، يوسوس لها كي تتمادى في تجاهلي، لاسيما منذ عرفَت عن مشاعري إبَّانَ بوحٍ ندمتُ عليه. طلبت مني منذ ذلك الحين الكُفرَ بها.. هل سمعتم عن عقيدة خرقاء كهذه ؟ وأخذتَ مسافة عني. لستُ ألومها، هكذا هي الأنثى الشرقية في هذه المرحلة الحساسة من حياتها، منتهى طموحها تحصين صرح زواجها الزجاجي ضد كل حجر طائش. حتى وإن كانت قبل ذلك تشتهي لو يغرم بها الكون بأسره، ويحزنها إذا انسحبَ من بلاط عشقها أحدهم، وإن لم تبادله العواطف. ثم وبعد عامين من الزواج والإنجاب، يطال الفتور علاقتها بشريكها فيتحول الزواج "لمؤسسة"، أشبه بشركة يديرها الاثنان، لا غرض منها سوى ضمانُ مستقبل الأولاد ودرء أنظار المجتمع... حينها فقط، قد تغمرها الحسرة على فلانٍ أو علان، على حبه المجنون الذي تخلَّت عنه في سبيل علاقة مستقرة.
أعرف أنها شبه متزوجة الآن، ولكن ما العمل ؟ لا أستطيع تجاهل ولهي بها. ويحق لكم في ظل هذا المعطى طرحُ سؤالٍ أخلاقي: كيف ارتبطتُ بـ"هناء" وقلبي مازال في قبضة "وصال" ؟ طيب، ولأنه أشياءً يُستحب عدم قولها نهاراً والمرء في ملئ عقله، فقد قررت كتابة هذه السطور وأنا أعاقرُ خمرتي داخل حانة عتيقة ليلة سبت.. ولذا فإني ألتمس منكم العذر إذا زادت جرأتي بتوالي السطور وتراكم مخزون وفاضي من الشراب. فلتدنُ مني آذانكم، لأني لن أقول كلامي هذا إلا همساً؛ ثمة أشياءُ أعمق من الحب تحكم علاقة الذكر بالأنثى، الحب شعور أخلاقي نبيل، وبما أنه كذلك، فإن الإنسان لم يعرف الحب إلا حينَ عرف معنى "الأخلاق" ومعنى أن تكون نبيلاً. هل تتصورون أن إنسان الكهوف البدائي ذاك الذي يشبه القرد، كان يعرف معنى الأخلاق ؟ أو حتى معنى "المعنى" ؟ هل تعتقدون أن تلك الخلية التي أنجبت كلَّ مخلوقات الكون أدركت أياً من معاني الوجودِ من حولها، أم أنها تناسلت بشكل فطري عارٍ عن أي تصورات أخلاقية ؟ أنظروا إلى أبناء عمومتنا الحيوانات، فهم صورة بدائية عنَّا، هل يجمعُ الحب الأسد باللبوة ؟ أو الحمار بالبغلة ؟ ثمة ما يسمَّى "غريزة"، الغريزة التي زرعت في الإنسان منذ كان إنساناً، بل حتى قبل أن يصير إنساناً.. أما الأخلاق النبيلة، بما فيها الحب والاحترام والإنسانية...، فتطورت لاحقاً بالموازاة مع تطور العقل والمجتمع والعلوم والأفكار... ميول الذكر والأنثى لبعضهما البعض حدث قبل ميلاد مفهوم "الحب" في عقولنا بملايين السنين، وبما أنها، أي الغريزة، سابقة الحب زمنياً، فهي أقوى منه بكثير، فكما يقال "من فاتك بليلة فاتك بحيلة".. للأسف، لهذا السبب يحدث أن يخون شخصٌ زوجه رغم حبه له!
وجدتُ غريزتي إذن تدفعني نحو هناء دفعاً، ونسيتُ أنَّ جانبي البدائي هذا، له قرين أخلاقي متطور سيدمّرني صراعهما إذا نشب ذاتَ يومٍ.
بالأمسِ وكما جرت العادة، وجدتني أتجسس على بروفايل وِصال الفيسبوكي، فوقعتَ عيناي على ما يوحي بأنها حزينة. ولأنها نهتني عن محادثتها حفاظاً على خطوبتها من الأذى، فلم أجرؤ على استفسارها، لكن من له "باب واحد، أوصده الله"، بعثتُ لجاسوستي رسالة نصية، زميلتها في العمل التي أعرفها، فجاء ردها مقتضباً وحاسماً: "وصال انفصلت عن ادريس".
تريثوا قليلاً، فأنا لم أقفز فرحاً بالخبر كما قد يفعل أيُّ عاشق.. ألم أخبركم آنفاً أن قدري هو عيشُ سعادتي بتعاسة ؟
أرغب في البصق على المغني داخل هذه الحانة الكئيبة والمغبرة، فهو يعزف ويغني مقطوعة "old love" لإريك لابتون لجني قوت يومه، دون أن يعرف أي شجنٍ تخلقه تلك اللعينة في أحشائي. كم أكره أن أجدَ نفسي مُحاصراً بين جحيمين أو جنتين، يُقطِّعني ضميري إرباً إربا.. في الواقع، لقد استبقت هذا الموقف أيّما مرة، وكنتُ كلما تخيلتُ الوقوع فيه عكر عليَّ صفو يومي وسمَّمَ ذوقي، لدرجة أني تمنيت أن تتزوج وصال سريعاً وتريحني من مثالب أملي في وصالها ذات يوم، فضلتُ ذلك على أن أضطر للاختيار، بين تلك التي عشتُ برفقتها الكثير، وهذه التي بالكاد أحلمُ أن أعيش معها كِسرة حب... أه، كم يمزقني ضميري حين أنصهر في قبلة فرنسية مع هناء، فأسمع شيطاني يهمس لي: "ليتها كانت قبلة مع وِصال". حينَ أستيقظ صباحاً وأرسل لها "صباح الخير حبيبتي"، على أني خرجتُ للتو من حلمٍ رأيتُ فيه نفسي في حضنِ وصال. أيُّ وجعٍ حينَ أضاجعُ هناء وفي خيالي الشهواني صورة وصال ممدة بدلاً عنها وتبادرني: "هيتَ لك". حينَ تهمسُ لي هناء "أحبك"، ينتابني الرعب من التورط معها في علاقة جدية، وقلبي لا يزال معلقاً في مكان آخر.
أنا الآن أرتعدُ قلقاً بعد الذي فعلتُه، فمنذ بلغني نبأ انفصالِ وصال عن خطيبها بالأمس، تحول جسدي إلى ساحةٍ لمعركة متكافئة بين جيشِ جوارحي، التي تحثني على استغلال الفرصة والانقضاض على قديستي ومعبودتي، وضميري الجبار الذي ينهاني عن تبديد ما بنيته مع هناء، التي منحتني الكثير في المقابل، ولم تبخل علي بعواطفها، بكل هذه البساطة... جوارحي تصعقني بأوهام عن وصال وهي تحرك شفتيها الورديتين تجاهي بكلمة "أحبك"، وما سيخلفه سماعُها من نشوةٍ بعمق الصخر، سيهتز لها كياني وتهتد أركاني، كـأني تذوقت نبيذاً عُتِّقَ منذ قرنين من الزمان. بخلاف العبارة ذاتها وغيرها من كلمات المودة الصادرة عن هناء، والتي أبلعها كجرعات ضرورية من دواء مر المذاق. ثمَّ يرد ضميري بصفع ذاكرتي بمشاهدَ مما راكمته من أحاسيس لطيفة أثناء علاقتي بهناء.
ولأن كلا الجيشين قوي، فإن نتيجة التعادل التي يفرضانها لا تخدمني في شيء، وتتركني تائهاً بين صفى الحياة ومروة الموت. لذا قررتُ اللجوء للخديعة، جئتُ لهذه الحانة لغرض تخدير ضميري بالخمر. وبعدَما أفرطتُ في الشرب خارَ ضميري بالفعل، وجاشت مشاعري أكثر، فاقترفت جريمتي الشنعاء. بعثتُ لهناء رسالة نصية أشرحُ فيها كلَّ شيء، بسطت لها الحقيقة عارية تحت تأثير السُكر الذي اشتعلت به عيناي، والتمستُ منها المعذرة... فقد قررتُ أن ألاحق قلبي كما تطاردُ الفراشة الضوء الباهر.
رغم خمري وسكري، أشعرُ بالقلق وأنا أحدقُ في شاشة هاتفي منتظراً ردة الفعل التي ستأتي من هناء، بعدما قررتُ صعقها دون سابقِ إنذار... سهوتُ قليلاً عن الهاتف ودفعتُ ما تبقى من كأس الوسكي في جوفي دفعة واحدة، كأني أرغب في التخلص منه كما أتلخص اليوم من رفيقتي... وذرفتُ دمعتين، لأني كنتُ أعلم أنَّ أيَّ خيارٍ سأتخذه، سينتهي بي المطاف بِعَضِّ أصابعي ندماً عليه.. وها هي ذي رنة الهاتف المنتظرة تأتي، وسأعرفُ الآن كيف استقبلت هناءُ بوحي... لكن لحظة، هذه رسالة من زميلة وصال: "معذرة يا عزيزي، افتقدت أخباري للدقة، لم ينفصلا، مجرد خلافٍ صغير انتهى بالصلح...".


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق