الثلاثاء، 7 سبتمبر 2021

لنشتبك، ثم نرى

Emma Visca - The Gambling Man 


كان يوما مملا كباقي أيامي. جلست في المقهى لأرتشف الشاي وأنتظر غروب الشمس الحارقة، لأتمكن من التجول بكل راحة. أنا شخص محب للمشي، لكن هذه الصفة لا تروق لأحد ممن أعرفهم. كان كل أصدقائي يكرهون التجوال معي لأنه يدوم لساعات. كان لدي طقس فريد قبل الرجوع للمنزل في المساء. كنت حريصا على إرهاق نفسي من المشي، كأنها مهمتي التي أسعى لتحقيقها. لم يكن للخروج من البيت معنى دون العودة منهكا للارتماء على فراشي البارد والزفير في العتمة. كان شعورا مريحا أن تتمدد على ظهرك وتحس بدغدغة خفيفة أسفل ساقيك اللتان أنهكهما التسكع في شوارع آسفي المقفرة.

شردت في الفضاء. أشاهد المارة الغرباء وأحدّق في عجائز النساء المكتنزة اللائي تشققت كعوبهن. لا أعلم ما الذي كان يجذبني للكعوب. كنت ألاحظها باستمرار، منها من لُطخت بالحناء، ومن تدلت عليها الخلاخيل اللامعة، ومن ابيضت الكالعاج، ومن احمرت كشفق الغروب بفعل وصفات الزينة. كانت كعوب النساء ككعوب الخيل،حالها يدل على حال أصحابها. مرّ نجيب فجأة أمام نافذة المقهى العريضة وألقى التحية، لوحت له بيدي ودعوته للقدوم. دخل في عجلة من أمره وعلى محياه ابتسامة ماكرة، انتشل كرسيا ثم جلس بجانبي:

-         صاحبي، كيف حالك ؟ بخير؟

-         بخير، هل أنت ذاهب إلى مكان ما ؟

رد مبتسما: نعم، أتريد القدوم؟

-         إلى أين؟ هل هنالك شراب ؟

-         نعم، تعال فقط وستثمل على حسابي.

-         لكني لا أريد أن أتطفل عليك وعلى رفقتك، أنت تعلم جيدا أنني لا أحبذ الشرب مع الغرباء.

-         ستضيع الفرصة، أتريد القدوم أم لا ؟

ترددت قليلا حين تذكرت أنني لم أتناول وجبة الغذاء، فالشرب على معدة فارغة جحيم لا حاجة له، لكني قررت الذهاب معه من فرط الملل. أجبته:

-         على ضمانتك؟

رد نجيب بجملته المعهودة: لنشتبك، ثم نرى.

دفعت ثمن الشاي وانصرفنا. كنا نسير باتجاه حي الجريفات الذي يكتري فيه نجيب شقة في الطابق السفلي رفقة بعض الصعاليك المغلوبين على أمرهم. كان مسكنا صغيرا ليس به سوى نافذة مطلة على الشارع، يحاديه سوق عشوائي لبيع السمك والذي لا يبخل على سكان ذاك الشارع بالرائحة الكريهة وبأكوام النفايات التي تجذب الجرذان من كل صوب. دخلنا المرتع الذي يغرق برائحة النرجيلة وقناني النبيذ الفارغة المترامية في كل ركن. دعاني نجيب للجلوس وظل واقفا يحاول الإتصال بأحدهم، ثم نطق فجأة : ألو، الرايس، أنا أنتظرك في المكان المعلوم.

مرت بضع دقائق، وسمعنا صوت سيارة في الخارج. نظر نجيب عبر النافذة فلمح سيارة أجرة ينزل منها رجل مسن. كان الرجل في الستينات من عمره وبدا من مشيته المهلهلة أن ساقه مصابة. دخل العجوز ونحنح بصوت رهيب، حيّا نجيب بحرارة، ثم أماء لي برأسه وجلس. كان حليق الرأس وقوي البنية رغم الشيب الذي ينمّق لحيته الخفيفة. كانت ملامح وجهه قاسية وشاهدة على صموده في وجه الزمن. جلس وسط الغرفة  ورمى بذراعيه على الوسائد كأنه يملك المكان، وضع كيسا كبيرا على الطاولة في حركة خاطفة، ثم ابتسم وخاطب نجيب: أعطانا الشرع الحق في أربعة، لكني جئتك بستة. كانت عبارته هذه كافية لتلمع عينا نجيب وتشع مقلتاه بريقا. كنت دوما ألمح نظرته هذه حين يتعلق الأمر بالخمر والنساء. لم ينطق نجيب بكلمة، فرّ للمطبخ وانتشل ثلاثة كؤوس ووضعها على الطاولة بكل رشاقة ثم أخذ قنينة نبيذ من الكيس وفتحها. ملأ كؤوسنا عن آخرها ثم قال: في صحتنا والله يخلف على الرايس. ابتسم العجوز حتى كدنا أن نلمح أضراسه ثم احتسى كأسه في رشفة واحدة، ورد:  في صحتكم. رددت النخب ورفعت كأسي مبتسما ثم شربته دون التلذذ به. في هذه الجلسات مع خبراء السكر والعربدة، إما أن تشرب وتساير وتيرتهم أو لا تسكر معهم. لم يكن النبيذ طيّبا كي أتمرد على عرفهم وأستمتع بمذاقه وقوامه، أو أشمه وأغازله بلساني كي ألتقط أنواع كرومه وعبق الأعشاب والفواكه التي تفوح منه. كان علقما، نبيذ المعدمين اللاذع الذي بخل علينا صناعه وحرمونا من رفاه الزجاج. نبيذ مُهان في قناني البلاستيك، يشرب للسكر فقط، لا للمتعة والطعم.

ظللت أواكب السكب والشرب دون أن أكلم أحدهم. كانوا يتحدثون عن أشخاص لا أعرفهم ووقائع لم أكثرت لسماعها. كل ما تمكنت من سماعه هو اسم امرأة تكرّر كثيرا على لسان العجوز الذي كان يلطف الأجواء بابتسامة بلهاء كلما نطق اسمها. كنت جالسا على يساره أراقبه عن كثب دون الخوض في شيء مما يقول. استمر الوضع هكذا، حتى بلغنا القنينة الثالثة وبدا علينا الانتشاء واحمرت خدودنا وارتخت أجسادنا. التفت إلي العجوز كأنه أدرك توّا وجودي في الغرفة، ثم قال: أتعرف مريم ؟ نظرت إليه في ذهول وأجبته في الحين: نعم، الله يعمرها دار. كانت هذه وسيلتي لتفادي مثل هذه المواقف مع الغرباء، حين يسألني أحدهم عن شخص ما، فمدحه أفضل من ذمّه في جميع الأحوال. نظر إليّ نجيب وهو يخفي قهقهته وغمز في إشارة إلى االعجوز الذي يبدو أنه سيزعجنا بإحدى قصصه.

ردّ العجوز مزمجرا: لا إنها قحبة.  

نظرت إليه مبتسما وقلت محاولا إغاظته لتمضية الوقت : إنها قحبة، الله يعمرها دار.

-         إنها كالبئر، تمتص كل ما في جيوبي.

اقتحم نجيب المحادثة وقال: أنت أيضا تمصّ ثدييها أيها الأعرج. وجّه الرايس كلامه إلي غير مبال بما تفوه به نجيب: أنا أكلمها منذ الصباح وهي لا ترد.

أجبته: ربما تكون مشغولة بشيء ما.

-         لا، إن القحبة حتما مع أحدهم، فهي لا تتعب من فتح ساقيها.

-         لا يهم، اتصل بواحدة أخرى.

-         إنها قحبة قاسية القلب وباردة الجسد، لكني لا يمكنني أن أضاجع غيرها.

أردت استفزازه من جديد وقلت: أتحبها ؟

نظر إلي بتمعن وصمت لبضع ثوان، ثم احتسى كأسا وردّ: سحرتني القحبة كي لا أعرف غيرها وكي تأخذ كل ما أملك، أنا أعلم ذلك.

-         كيف تعلم ذلك؟

-         حاولت مع كثيرات، لكني لم أستطع حتى بلوغ الانتصاب. هي وحدها من كانت تعرف كيف تثيرني، إنه حتما سحر.

أردت إنهاء هذا الهراء فلم أجبه، لكنه أمسك يدي وقال بنبرة جادّة: أنفقت عليها الملايين، وأنا من يدفع جل مصاريفها من كراء وأكل وشرب.

أدركت أنني حبيس معه حتى يلهمه السكر مجددا ويغير الموضوع فأجبته: ولماذا تفعل كل هذا؟

أجاب: في سبيل الله ومن أجل ولدها الصغير.

-         أ لها ابن ؟

-         نعم، الزّغبية مطلّقة وليس لها من أين تربيه.

-         ولماذا أنت غاضب؟

-         لأن القحبة لا ترد على مكالماتي. أعاملها أحسن معاملة ولا ترد بالمثل، إنها لا تشبع من المال والمضاجعة.

-         كلمها مرة أخرى ربما سترد.

-         لا أريدها الآن، لي حساب معها فيما بعد.   

-         انسى أمرها واشرب، فالثمالة تخمد لوعة النساء.

رفع كأسه الذي كان يملأه نجيب في كل مرة، وحاداه بكأسي لنشرب نخبا، وصرخ بصوت عال: اللعنة على العاهرات وعلى سيرتهن، في صحتك.

شربنا نخب المومسات اللائي يخطفن القلوب كباقي النساء، ثم عمّ الصمت لبرهة قبل أن يكسره نجيب بعيطة "كاسي فريد". كان نجيب عاشقا لفن العيطة ولقصص القرية وحفلاتها الصاخبة وأعراسها التي تدوم لأيام. لم أكن أحبذ هذا النوع من الغناء، لكن كان لكلمات كاسي فريد وقع غريب علي. كان مطلعها يشدّني باستمرار رغم أني سمعتها لعشرات المرات في مجامع السكر. كانت تبدأ بعزف لجمال الزرهوني على آلة الوتار، قبل أن يصدح صوته الجريح بمطلع العيطة: وراه كاسي فريد ... ياك جرحي جديد، ثم تستمر القصيدة في مدح الخيل والخيالة وتتغنّى بقصصهم. كانت أغاني العيطة دائما ما تلهم نجيب للحديث عن الخيول وعن التبوريدة وعن الاحتفالات الموسمية حيث اللحوم المشوية وأهازيج الشيخات. أثارت الأغنية نقاش الخيول التي عهدته في جلسات الشرب مع نجيب، فشرع في الحديث عن طفولته في البادية وذكرياته مع الخيول.

أشعلت سيرة الخيول فتيل العجوز، فانتفض فجأة والدموع في مقلتيه: بعت أجود خيولي من أجل القحبة. لم أكن أعلم ما الذي علي فعله، فظللت صامتا. التفت إليه نجيب الذي أسكت الموسيقى وحاول تهدئته: لا عليك أيها الرايس، انسى تلك السيرة واشرب واستمتع. لا تفسد هذه اللحظات بالهمّ والغم. 

رد العجوز: ما الذي سأنساه، لقد كان الأدهم هدية أخي اليزيد رحمه الله، لم يكن علي أن أفرّط فيه.

تدخلت في المحادثة وقلت له: لا عليك يا والدي، لا شيء يدوم. ما دام عزيزا على قلبك، فحتما كنت مضطرا لبيعه.

أجابني: لا لم أكن مضطرا، إنها القحبة.

-         مريم ؟

-         نعم، هي من أسكرتني ودفعتني لبيعه كي تأثث منزلها اللعين.   

-         لا عليك، اعتبرها مساعدة لصبيها.

-         لم تكن كذلك، فالأفعى لم تأثث البيت.

-         ماالذي فعلته بالمال؟

-         سافرت لتزور أختها في الدار البيضاء وتمتعن بأموالي. إنها عائلة من المومسات والنصّابات، لقد طُفن جميع الحانات ومقاهي الشيشة وبعثرن رزقي.

لم يكن لدي جواب شافٍ، فرددت: عوضك على الله.  

فتح نجيب قنينة نبيذ أخرى وسقانا. احتسى العجوز كأسه في صمت والحسرة واضحة على محيّاه. عاد الصمت من جديد وشغّل نجيب عيطة "حاجتي في كريني" التي استمعنا لها بتركيز. انتهت الأغنية ونهض الرايس من مكانه، فاستوقفه نجيب: أتريد الذهاب للتبول ؟

ردّ العجوز بعد أن تجشّأ: لا، أريد الرحيل.

قلت له: لم ينتهي الشراب بعد، تريّث قليلا.  

-         لا يا بني علي الذهاب، بالصحة والراحة.

قام نجيب من مكانه وفتح له الباب، ثم عاد وقال: إن الرايس رجل طيب، لكنه يصبح عاطفيا حين يثمل.

-         لا ألومه بعد ما تفعل به مريم تلك.  

قهقه نجيب وقال: الخطأ خطأه، إنه ساذج وسخي مع جميع النساء. إنها مومس ما الذي تنتظره منها ؟ أن تحبه وتخلص إليه؟

-         لا، بالتأكيد ستسرقه.

-         أنا أعرفها أيضا، ولكني لست مغفلا مثله. حين أشتهيها، أدعوها لشرب بضع كؤوس وأضاجعها ثم تأخذ أجرها وتنصرف.

-         نعم، هذا ما على العجوز فعله، لكنه مغلوب على أمره.

ابتسم نجيب وقال : إنها ليس كما يصف، إنه فقط لا يجيد التعامل مع أمثالها، سأثبت لك ذلك.  

-         كيف ذلك؟

-         ألم تجبه طيلة اليوم؟

-         نعم.

-         سأتصل بها فورا وستجيب.

-         لنرى ذلك، اتصل.

أخذ نجيب هاتفه المتداعي الذي لم يعد صالحا إلا لإجراء المكالمات، ثم اتصل بها. ردّت في ظرف ثوان معدودة.

-         ألو حفيظة، كيف حالك ؟ أنا في المنزل ولدي بعض النبيذ، سأحضر العشاء قريبا. لم أكن أسمع ما تقول، لكن يبدو أنها وافقت على عرضه. انهى المكاملة بالقول: حسنا، أنا في انتظارك، لا تنسي إحضار معسّل النّعناع.

-         قلت له: من هي حفيظة هذه ؟ لماذا لم تتصل بمريم؟

انفجر نجيب من الضحك وردّ علي: أتعتقد أن اسمها مريم ؟  إنها تكذب على العجوز. اسمها الحقيقي حفيظة، ليست مطلقة وليس لها ابن. هذه إحدى قصصها التي صدّقها الرايس وأعطت أُكلها حين حصدت كل ما في جيوبه.  

أحسست بتعاطف مع العجوز وسألت نجيب: لماذا لم تخبره؟

-         العجوز غارق في حبّها ولا يريد سماع الحقيقة. حاول معه الكثيرون، لكنه لا يريد فراقها.

 

لم يكن العجوز وحيدا. صادفت رجالا كثيرين سقطوا في شرك امرأة ودفعوا الثمن غاليا. اللعب مع النساء لعبة خاسرة في أغلب الأحيان، يفوز فيها القليل ممن لم ينخدعوا بقواعدها و لم يغترّوا بظاهِرها. هي لعبة بدون قواعد وبدون ضمانات. التورط فيها من أعتى أنواع القمار، وعلى المقامر أن يكون دائما مستعدا لخسارة كل شيء. على الرجل أن يكون مقامرا حذرا، أن يلعب اللعبة دون الإنغماس فيها والتعوّد على جرعة المتعة التي تمنحها والتي ستعود عليه بالندم لاحقا. وحتى حين يقترب بكل حذره، فلا شيء يضمن له أن يسلم مِن كيد مَن يُلاعبها. لا ينجو أحد من لعبة النساء سوى اللذين لا يملكون رغبة في اللعب.  

تناسيت أمر العجوز وسأت نجيب: ماذا الآن؟ كيف ستدفع لحفيظة هذه وأنت لا تملك سنتا ؟

رد نجيب بنبرة ساخرة: أدفع ماذا يا صاحبي؟

-         ثمن خدمتها ؟

-         هذه مشكلة سأحلها في صباح الغد، لن أتعب نفسي في التفكير فيها الآن.

-         ماذا عنها ؟ ألا تقلق مما قد تفعله حين تدرك أنك مفلس؟ أنت تعلم جيدا ما يمكن أن يفعله هذا الصنف من النساء حين لا يدرك مراده.

نظر إلى نجيب بنظرات ثاقبة حين سمع ما قلت. بدت عليه الجدية لأول مرة هذا اليوم. احتسى كأسه وتلذذ به مصدرا صوت الإحتساء، ثم قال بكل ثقة وهدوء: صحيبي، لنشتبك ثم نرى.