الخميس، 24 أغسطس 2017

الورقة الشاحبة






كنت جالسا في أحد مقاهي المدينة رفقة صديق. بعد ارتشاف فنجان القهوة المعتاد و تدخين التبغ الرديء ، التفت الى صديقي لأجده غارقا في قراءة رواية لإميل حبيبي ، الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل . كان يقرؤها منذ يومين، أثارني عنوانها فسألته عن القصة. أجابني بغلظة، فقد قطعت عليه متعته : لن أخبرك، عندما أنهيها يمكنك قراءتها بنفسك.
تركته يعود إلى روايته و قررت ان أشغل نفسي . سأحاول أن أكتب، علي أن أنتشل قلما وورقة و أخط بالمداد كل ما يجول في خاطري. قال لي نفس الصديق ذات مرة أن اشرع في الكتابة دون تفكير وأن أكتب عن أي شيء. أكتب دون حكم أو تعديل أو حبكة مسبقة ، حتى أرى نتيجة التلويح بقلم على ورقة رثة تم تمزيقها من دفتر الدروس . اللعنة على الدفتر ودروسه، كل تلك الترهات لا تريحني كما يريحني هذا الفعل الغريب، أخذ القلم و الكتابة. إنها راحة مؤقتة كراحة حمال عند وضعه لحمله، ليعود لحمله من جديد. لكني سأقبلها، أن ترتاح مؤقتا أفضل بكثير من عدم الراحة.
كفاني قرفا و انشغالا طوال اليوم ، لما لا أخطف بضعا من دقائقه لأتجرد من كل شيء . لأستمتع بالفراغ أو بلحظة سلام داخلي كما يسميه أتباع بوذا الذين أولوا تعاليمه. كيف لبوذا أن يحظى بالسلام الداخلي وهو سيد التفكير. الرجل غادر عالمه المادي ليغوص في عقله. ربما وجد راحته في قمم العقل، لكن راحة الفراغ لا يمكن أن تكون من نصيب رجل مثله. كتبت هذه الكلمات و طويت الورقة، وضعتها في غلاف مذكرة لأعود لها فيما بعد…
قرأت ذات يوم أن الورقة والقلم لا يجب أن تفارقا الكاتب، ليسجل أي انفعال ثم يعدله لاحقا. هكذا تبدو القصة حقيقية، نابعة من لحظة تفكير خالص فيها. كان هذا ما فعلته قبل أن أعود لما كتبت. قرأته كي لا أفقد خيوطه. لم يقنعني كالمرة الأولى حين كتب، لابد أن الانفعال قد زال. هذا خطأ بعض الكتاب، إهمال الفكرة والعودة لها بعد مدة، ثم التعثر والوقوف أمامها كأنها غريبة. كأنها كتبت بقلم شخص آخر.
لا يهم، هذا النص لم يكن قصة في كل الأحوال. إنه مجرد أزمة كاتب مبتدأ لا يحق له تصنيف نفسه ضمن الكتاب. الممارسة تجعلك جريئا على القلم وحالما و طموحا، وقد تحولك إلى مغرور. كل كاتب سقط في مقارنة نفسه مع معلميه ، يأمل أن يكتب نصا كنصوصهم ، يرجو أن تتطور كتاباته و تنضج كي تضاهي كتابات العباقرة أو تتجاوزها. سأكون ممتنا عندما تكون جملي القصيرة و المباشرة كجمل كافكا ، أو حين تصبح حبكتي و معانيها كحبكة غوغول ، أو عندما تظهر سخريتي اللاذعة كتشيخوف .
قال لي الصديق ذاته ـ وهو الوحيد الذي يناقش معي الأدب ـ أن الأدب كالعلم. يتطور و يبرز صاحبه بالتحدي و الجرأة قبل أي شيء. كارل ماركس كان عظيما ليس فقط لعمق و صلابة جدله و نظريته ، بل أيضا لأنه كان جريئا بما فيه الكفاية ليتحدى أحد أهم أعمدة الفلسفة الحديثة . فقد برز ماركس حين ضرب بجدل هيغل عرض الحائط و قلبه ليمشي على قدميه . اكتفيت بهذه السطور، نفذ الانفعال، سأغلق الورقة لأعود لها فيما بعد. هذه المرة قررت ألا أقرأ ما كتبت كي لا أكرهه لاحقا…
بعد الانتهاء من وجبة العشاء الدسمة في منتصف الليل ، فكرت في كتابة ما ملئت به الورقة الرثة آخر مرة على الحاسوب . أصابعي مازالت مصفرة من أثر ملون الطعام و نفسي يفوح طعاما ممتزجا بسيجارة. لابد من لفافة التبغ الاصفر و البني بعد الأكل ، لفافة محدودي الدخل الرخيصة التي ظهرت حديثا . شرعت في النقر حتى نقلت كل شيء مع بعض التعديلات في المفردات و الصياغة. توقفت ثم سألت نفسي، ماذا بعد ؟
إنها الثالثة صباحا . تفكيري مشوش بفزاعة الامتحانات الجامعية. تلك الفترة المقرفة من السنة ، حيث يكون مسارك الدراسي عرضة لمزاجية أستاذ . صمت الليل الرهيب مخيم لا يكسره سوى أغاني المذياع الذي يؤنس صديقي في الغرفة المجاورة. و أنا جالس في غرفتي المظلمة أحدق في شاشة الحاسوب ، أفكر في تتمة لهذا الهراء الذي بدأته في المقهى من فرط الملل . كنت أدعوه نصا و الآن أصبح هراء. لم يخطر ببالي شيء . سأكتب كل هذا و أنصرف، سأغلق الصفحة و أبحث عن شيء أشاهده حتى يتمكن مني النوم. سأشاهد غالبا سلسلة الرسوم المتحركة التي أتابعها. نعم، أنا في هذه السن و ما زلت متابعا للرسوم المتحركة بشغف. لطالما سخر مني الأصدقاء ، لكني لم أكترث . السن بالنسبة لي رقم سخيف و عداد يحسب في انتظار الموت. لن أجعل رقما سخيفا يتحكم في اختياراتي، سأشاهد ما أريد…
الوقت متأخر، كنت مستلق على الأريكة أدخن آخر سجائري في الظلام كما أحبذ. سرحت بخيالي بعيدا أفكر في علاقتي بالكتابة. لم يكن القلم جديدا علي ، فلطالما كنت سيئا بالتعبير شفهيا وعوضت هذا النقص بالتعبير على الورق منذ الطفولة . تذكرت المشاركة في مسابقات الشعر في الابتدائية الخصوصية التي مازال رفاقي يسخرون مني لأني ارتدتها مع أطفال الطبقة البرجوازية. ثم حصة الأساليب و الإنشاء، حين كنت أكتب أفضل موضوع في الصف بشهادة المدرسة زينب. استحضرت أول رحلة مدرسية حين أعجبت بزميلتي و لم أستطع البوح لها، فكتبت لها رسالة حب و بعثتها مع صديقة. كانت خجولة ايضا و ردت علي ببعث وردة ود حمراء . سميتها وردة هند تيمنا بها و حفظتها لسنتين وسط كتاب. حين وجدتها أمي مع بعض كلمات العشق و الغزل، وبختني وأخذتها. كبرت هند، بلغت المرحلة الإعدادية وواعدت شابا في الثانوية. كبر حبي لها و احتفظت به لنفسي و لخواطري في المذكرة التي لم يقرأها أحد. كانت أغلب الخواطر عن حبي لها وكرهي للشاب الذي لا اعرفه.
لن أنسى غضب المراهقة و خيبات الأمل التي تعرضت لها. عبرت عن ذلك بالكتابة أيضا، لكن بشكل مختلف. تعرفت على موسيقى الراب و شعر الشوارع العامي المقفى . شعرت بفورة امينيم و حدة كلماته . وجدت نفسي في سطوره التي تحكي معاناته في مقطورة أمه في ديترويت بعد أن تركه والده. كتبت كوبليهات لا تحصى . كتبت عن كل شيء عشته ، عن تسكعي في الأزقة ليلا مع الأصدقاء ، عن عزلتي في الثانوية و البيت . كان الراب في تلك الفترة هو ما أعيش من أجله ، و كانت الورقة هي المستمع الو حيد لقصصي و مشاكلي. شكلت الكتابة جزءا كبيرا من حياتي، لابد أنها قدري. هي ما أتقن وهي وسيلتي المثلى للتعبير . ما زلت صامتا تعلق الكلمات في جعبتي و تنساب بسهولة و عفوية عندما أمسك القلم…
كنت وحيدا في البيت ، أمضي وقتي في تصفح الأنترنت و إشعال السجائر . تبادر إلى ذهني ما كتبت مؤخرا ،فكرت في إنهائه ثم فتحت صفحة الوورد . كان العنوان ” قصة قصة “، قررت تغييره فكل ما كتبت لم يكن قصة. حرت في تسمية هذه السطور التي كانت مزيجا من الانفعالات و الذكريات. بدأت هذا النص لأول مرة هربا من الضجر، القلم و الورقة الشاحبة التي اقتلعتها من الدفتر كانا معبري نحو هذه الكلمات. ظلمت هذه الورقة طوال الوقت، وهي التي حفظت ترهاتي لأكتبها. سأسمي هذه الخربشات التي لا تعني شيئا لغيري إكراما لها . الورقة الشاحبة، بدا هذا عنوانا مناسبا، فليكن كذلك…

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق