![]() |
Robert Hodgins - Full Camouflage |
كان بَرْنُوخْ رجلا غريبا. حين تلمحه من بعيد
يمشي ببطء وكِرشه العملاق يتدلى مع كل خطوة، تحسَبُه كرة متدحرجة من أعلى تل
"جنان الشقوري". لا يبدو مِن جسده المُكتنز المُكوّر سِوى أطرافه
القصيرة وأنفه الكبير المُحْمرّ. كان وجهه الطفولي المُبتسم يشبه بابا نويل، وملابسه
الرثّة توحي أنه خرج للتو من أحد المداخِن. يخرج برنوخ كل صباح من الغرفة
المُتهالكة التي يسكُنها في أحد أزقة "وادي الباشا" البائِسة. يمرّ على
الشارع الرئيسي بحي جنان الشقوري قبل أن يستقبله صديقة "زْرَيْقَة" قرب
ضريح "سيدي بيه". كان زريقة كلبا بلديّا، أسود اللون وفيه شيء من البياض
يُزَيِّن رقبته. كان مرِحاً يلعب مع الكلّ، لكنه يُفضِّل رِفقة برنوخ طيلة اليوم
حتى يعود معه في المساء، ثم يفترقان عند ناصية الضّريح. ناداه الكلّ بزريقة لأن
عيناه زرقاوتان صافيتان كسماء أيّار، وهذا نادر في كلب قانِع مُشرّد. كان يعطفُ عليه
حارس الضريح ويُطعمه كلّ مساء، ظانّا أنه كلب مبروك. فقد كان يفهم لغة البشر
ويتجاوب معهم دون تدريب. قال الحارس ذات مرّة لبرنوخ أن روح سيدي بيه تتجسّد في
زريقة وتخرج لتَصُول وتجُول في أزقة آسفي كما كان يفعل الشريف في أيامه. كان برنوخ
مؤمنا أن زريقة هو بركة سيدي بيه، وكان يُعامله باحترام كصديق بشري. يُكلمه
ويتقاسم معه طعامه، وأحيانا يشكو له همّه، آمِلا في أن يُصلِح سيدي بيه ما أفسدته
الأقدار.
لم
يكن لبرنوخ أهل ولا أقارب. فقد وُجِدَ مرْميا فوق كومة من النفايات قرب الخيرية
(الملجأ) بحي سيدي عبد الكريم. تربّى في الخيرية إلى حين بلوغه سن الرُشد، ثم
غادرها دون أن يتعلم القراءة والكتابة ولا أي حِرفة. فلم تُسعفه قدراته الذهنية
المحدودة في التقاط شيءٍ يُواجِه به قسوة العيش. بدأ مشوار حياته كحمّال في سوق
بياضة، لكنه لم يُفلِح لضعفه في تحمّل عناء إفراغ الصناديق. كان الكّل في السوق
يسخر منه ويناديه "برنوخ" بدل اسمه الحقيقي "عبد السلام". لم
يُبدي أي ردّة فعل وتقبل لقبه دون انزعاج. كان شديد الخجل، دائم الابتسام بدون
سبب. لا يدري أحد ماذا يجول بِخاطره. مرّت الأيام، وانتهى به المطاف كحارس موقف دراجات
نارية بباب الشعبة، على جنبات قرية الخزف. كان يحرس دراجات الزوار والحرفيين،
ويقتات على عطف المارّة. لم يكن حارسا كباقي الحراس من ذوي السوابِق، الذين يعيشون
على سوء سُحنَتِهم وسُمعتِهم. كان ودودا، يجلس في مكانه وحسب، ويُراقب المربِض دون
افتِعال المشاكِل. كان مدعاة لسخرية الكلّ، لكنه لم يمانع طالما يُكلّمونه. كان
يحسّ بانسانيّته ويَسْعَدُ بأي محادثة، حتى وإن خدشَت كرامته.
كان برنوخ يشقّ طريقه في اتجاه باب الشعبة،
مرورا على سيدي بيه كالمُعتاد. لكنه لم يُصادف زريقة هذا الصباح. لم يسبق لصديقه
أن فوّتَ يوما دون مرافقته. استغرب برنوخ وصعد هضبة مقبرة أشبار وصولا لقِمّة سيدي
بيه، كي يسأل حارس الضريح. لمَحَهُ عمر حارس السيد من بعيد وقام بسرعة متجها نحوه،
ثم صاح بحِدّة: عبد السلام؟ ما الذي جاء بك هنا؟ أليس لك عمل تذهب إليه؟
نطق برنوخ بصعوبة بما يشبه الهمهمة ووَجْهُهُ
في الأرض: زريقة ... زريقة.
-
لم أره منذ البارحة، ألم يكن معك ؟
حرّك برنوخ رأسه
ببطئ نافِيا.
ردّ عمر محاولا
التخلّص منه: حسنا، اذهب الآن وسيعثر عليك حتما، هيا انصرف.
حرك برنوخ رأسه
مرة أخرى مشيرا للرّفض، وتصلّب في مكانه. أحسّ أن عمر يُخفي عنه شيئا. ظل واقفا لدقائق
دون حركة. أدرك عمر أن برنوخ لن يغادر دون رفيقه، فقرّر البوح له. تنهد ثم قال:
-
تعال معي يا عبد السلام.
تَبِعه برنوخ في
الطرقة الترابية المليئة بالشوك خلْف الضريح. وصلا إلى القبور المُتداعية التي يُخفيها
الصبّار القاسي. لَمَح برنوخ صديقه طريحا، ثم هرْول في اتجاهه وركع على ركبتيه
باكيا غير آبِهٍ بالرائحة النّتِنة. كان زريقة ميّتا ومُقيّدا بخيط صيد، وكانت
عيناه مُقتَلَعتان وفمه مُخَيّط بإحكام. ظلّ عمر واقفا في مكانه وقد أشفق على
برنوخ الذي كان يبكي بِحُرقة وينطق بكلمات غير مفهومة.
قال عمر بحَسْرة:
أولاد الحرام لم يتركوا أحدا، لقد استعملوه في السحر. لابد أنها شمطاء من الكافرات
بالله اللواتي يطفن القبور ليلا.
أضاف الحارس
مخاطبا الأفق وكفّاه للسّماء: ربي كبير... ومَنْ يتعمّد أذيّة الشرفاء ومقامهم،
سيهلك دون محالة. يا سيدي ربي، دخلنا عليك بمولاي بيه والصالحين أجمعين، اجلب لنا
حق هذا المخلوق المسكين.
لم يكترث برنوخ لهرطقات
عمر وظلّ ينوح في مكانه. تركه عمر يُفرغ قلبه من ألم الفراق، ثم انسل في صمت إلى واجهة
الضريح الأمامية حيث يشرب شايَه ويُشعل سَبْسيه الطويل، الذي يُلوّح به كمِضرب
غولف.
لم يذهب برنوخ
للعمل. توارى بين شجيرات الرتم الكثيفة ثم استلقى على التراب. مرّت الساعات بسرعة.
وقام عمر من مكانه يُشعل نارا من الأغصان الجافة المتناثرة في الأرجاء لِيُعدّ
طاجين الغذاء. تذكر برنوخ، ثم راح لتفقده بعد أن نسِي وُجوده عند ثالث تعميرة من
الكِيف. لم يجد له أثرا، فافترض أنه تعِب من البكاء ومضى لحال سبيله.
مرّت الظهيرة،
وعمر في مكانه يدخِّن السبسي ويرتشف الشاي بعد أن الْتَهَمَ طاجين البطاطس
والزيتون. كان برنوخ جامدا في مكانه دون حراك. لم يشعر بالجوع أو العطش، كل ما يفكر
فيه هو الثأر لزريقة. كان له إحساس دفِين، أجبره على البقاء وأكّد له أن صاحب
الفَعلة سيظهر.
حلّ المساء. نهَض
عمر من مكانه لتفقد الضريح وأبوابه، ثم توجه صوب البوابة الخلفية المُطّلة على
قرية الخزف. وَقَفَ عندها بِضْع دقائق مُلتفِتا جنوبا، يُراقب مرفأ المدينة وغروب
قُرص الشّمس الدّاكن خلْف المُحيط المَهيب. كان النسيم باردا منعشا وأفران قرية
الخزف تَفُوح لتُجَفِّف الطّين وتجعل منه خزفا. برزت امرأة مُمتلئة الجِسم من بعيد
تخطو بثبات في اتجاه البوابة. لمحها عمر ثم صاح:
بديعة، اسرعي ...
ثم أضاف متذمرا بصوت خافت مُكلِّما نفسه: ثدياها ثقيلان كأحجار الميناء.
وصلت بديعة بصعوبة
وهي تلّفُ مِنديلها المُرقّط وتُغطي به ما يظهر من صدرها الحِنطي العريض.
قالت: الشريف عمر،
كيف حالك؟
أجاب: بخير، هيا
أسرعي قبل أن يلمحك أحد السكارى ويفضحنا.
-
يفضحنا، نحن لا نسرق. نحن في مقام الشُرفة
ومعانا الشُرفة (الشرفاء).
-
قهقه عمر مُضيفا: ها ها ...انتِ من الشُرفة و
تمُصّينه بلا مِغرفة.
-
الله يمسخك.
أغلق عمر البوابة، ثم أرشد ضيفته في اتجاه مرتعه. جلست
بديعة وحملت كوب شاي دون استئذان وحرّرت قَدَمَيْها البدينتين من الشبشب، وراحت
تعبث بالتراب بأطراف أظافرها المطليّة بلون الكرز.
قال عمر: أ تريدين تعميرة؟
-
لا داعي، أنا مرهقة لا أريد أن أدخّن.
-
خذي راحتك، حارس المكان والمكان كلّه تحت
أمرك.
-
لهلا يخطيك، أ حضّرتَ لي ما أوصيتك به ؟
-
موجود، ادخلي معي للعشة وسأحضر ليك ما
تشائين.
-
أ لا تشبع ؟ ها ها ... إذا نفذت المهمة، سأمتعك
طوال الليل.
-
حسنا، استريحي قليلا وسترين بنفسك.
مرّت الدقائق وعمر
يُمسك السبسي بيده اليُمنى ويده اليسرى تتسلّل تحت عباية بديعة لتلامس فخذها
الناعم. كان عمر مُنتشيا بِيَده المغمورة في الدِفئ وخلِيلته تحدِّق في الفضاء
وكأنها لا تحسّ بشيء. استوقفته للحظة مُبعدة يده الشقيّة، وقال: هيا بنا.
قام عمر من على
أريكة الدوم بصعوبة، ثم جرّ يدها واتجها نحو زريقة. وصل بها للمكان وأراها جثة
الكلب المسكين، ثم قال بفخر:
-
غرضك مقضي، وبكلب مبروك، ليس أي كلب.
-
هل وضعت الصورة بداخله و أحكمت الإغلاق؟
-
لا تقلقي، لن يستطيع أحد فك الخيط.
-
الله يعطيك الصحة، ادفنه حيث لن يجده أحد
وستنال رضاي.
-
ضرب عمر على عجيزتها بخفّة ثم قال: اعتبريه
مدفونا. ثم أضاف: هيا لأدفن فيك شيئا أفضل، أنتظر دفنَهُ تحت سُرّتِك منذ أمْس.
استمع برنوخ
لحديثهما. كان مصدوما غير مُصدقٍ أن الحارس غَدَرَ بصديقه. كيف له أن يفعل ذلك دون
الخوف من سخط مولاي بيه؟ إنه كلب الشريف المبروك ورُوحه المتجسدة. لم يتمالك برنوخ
أعصابه، استجمع قِواه وحمَل حجرة بكلتا يديه، ثم انقض بها على رأس عمر بضربة
خاطفة. سقط عمر أرضا دون حراك، فصرخت بديعة بأعلى صوتها قبل أن يسُدَّ فمها ويُطبق
عليها في الظلمة. كانت تصارع الموت بين يديه كدجاجة تترنّح في ثوانيها الأخيرة قبل
أن يفتك بها سكين الجزار. أحكم برنوخ القبض عليها وعيناها الذابلتان تُعلنان اقتراب
روحها من مغادرة جسدها السّمين. مرّت الثواني بسرعة، قبل أن تتوقف عن المقاومة
وتسقط أرضا على دماء عشيقها. حلّ السّكون وانطفأ غضب برنوخ، ثم جثم باكيا قُرب
زريقة. نهض ببطئ، وجرّ صديقه خلف الأشواك الطويلة ليواري جثته الهامدة. مَسَح
دموعه ثم ركض في اتجاه البوابة الأمامية. كان يركض بأقصى سرعة دون أن يعلم أين
يتجه. خرج من الضريح واستمر بالركض في اتجاه دار البحار المؤدية للشاطئ. ظل يركض
على طول غابة "الموغيتين" بكل ما أوتي من قوة، حتى خارت قواه وانهار
باكيا قرب أحد الأشجار الفارِعة.